لعلي في هذه التدوينة أبدأ من صلب الموضوع .. فلا حاجة لنا بالمقدمات هنا .
من يتابع الإعلام بصورة يومية ( الصحافة بالخصوص ) يستطيع أن يصنف الأطروحات الثقافية فيها والفكرية إلى عدة أفكار لا تحيد عنها غالباً ، فالموضوعات مكرورة لكن بقوالب عدة ، فمرة بقالب النصح والإرشاد ومرة بقالب الثورة وأخرى بقالب العالم الفقيه ومرة بقالب الدجل !! .. والفكرة هي هي .
حسناً .. من المتفق عليه أن الطرح الشخصي يخضع لعدة عوامل شخصية تصوغ الطرح لدى الطارح ، وهذا شيء طبيعي جدا لا خلاف عليه ، لكن أن تخضع صياغة الأخبار وانتقاءها وإبرازها إلى تلك العوامل الشخصية فهذه هي المصيبة !! ، وحقيقة المصيبة وعظمتها تتمثل في أن من يصوغ الخبر يدّعي المهنية والحرفية والحياد ونزاهة النية والضمير .
لنتجاوز ذلك كله .. ونتساءل .. ما هو المبدأ الأول عند الصحافة والذي تأتي بعده تلك المهنية المزعومة ؟ .. هي حرية الرأي ، لكن دعونا نتساءل ما هي حرية الرأي ( الصحفية ) ؟؟ .. هي وبكل سهولة : إقصاء المخالف وتهميشه وتعنيفه والتحريض عليه والقول عليه بالباطل !! .. أليس كذلك ؟؟ .
وبما .. أن هذين المبدأين هما المرتكز الأساس والقاعدة التي ينطلق منها الكثير من كتاب الأعمدة والصحفيين .. فالمجتمع الذي نشاهده أحرفاً مكتوبة في الصحافة ليس إلا مجتمعاً افتراضياً تصوغه أيد الخونة وسارقي الحروف .
كيف ذلك ؟ .. بما أننا اتفقنا في البداية على محدودية الأفكار المطروحة .. فدعونا نأخذ أحد أبرزها ونثبت عليه كيف تكون صياغته تحت معمل المبادئ الصحفية .. المرأة هذا الكائن الجميل الذي يمثل نصف المجتمع ويلد نصفه الآخر هو أكبر قضية صحفية ، دعونا نأخذ ما هي الأخبار التي تعرض في الصحف .. الصحيفة الفلانية تعرض خبر أول كابتنـ(ـة) سعودية تقود الطائرة ، وصحيفة أخرى تبرز خبر الخيّالة السعودية ، وأخرى تشيد بالدوري النسائي ، ورابعة تحيّي روح المبادرة عند المتطوعات ، وخامسة تحكي تعرض الفتاة لاضطهاد فكري لأنها حرمت من قيادة السيارة ، بل لو تأملت حال الصحافة بملاحقة ( السائقات ) وإكبار ذلك العمل وتصويره بالعمل البطولي لتعجبت كيف تكون تلك الإشادة بمخالفة أنظمة البلد وأنظمة ( ولي الأمر ) !! . لكن .. هل سمعنا أو رأينا أن الصحافة أبرزت أول كابتن سعودي أو أول خيال سعودي أو روح التطوع عند الشباب أو الإشادة بمخترعين سعوديين ؟؟ .. هل وجدنا إشادة بالمشايخ والفضلاء عند زيارتهم للخوبة كتلك الإشادة بالصحفية السعودية ؟ ..لماذا ؟ .. ذنبهم الوحيد أنهم ليسو إناث !! .
دعونا من الذكور .. هل رأيتم خبر يشيد بجهود الدُّور النسائية التطوعية والإنسانية ؟ .. هل رأيتم خبر يشيد بعمل امرأة محجبة حجاباً كاملا ( منقبة كما يقولون ) ولو كان العمل جباراً ؟ .. عيدة الجهني .. هل وجدنا من يشيد بها في الصحافة بالرغم من كونها تأهلت إلى نهائيات شاعر المليون ؟ .. ماذا لو لم تكن عيدة بتلك الحشمة الكاملة ؟ .. هل ستختلف نظرة الصحافة لها ؟ .. المشكلة أن كل ما يعرض من إنجازات أنثوية لا تمثل شيئاً عند المركون في أدراج النسيان والتغافل .. أليس هذا هو المجتمع الافتراضي ؟
قضية أخرى .. قضية العصر .. الاختلاط ، لم نشاهد أي صحيفة نشرت مقالاً عن حرمة الاختلاط ، وجميع المقالات المنشورة التي تتحدث عن ذات الموضوع يُقذف فيها كل عالم قال بحرمته .. بحجة حرية الرأي !! ، ولم تظهر الصحافة من ( التيار الإسلامي كما يسمونه ) إلا من قال بجوازه ، بل تم تعظيم شأنهم وإثبات علمهم ونزاهتهم ووقارهم وأنهم هم العلماء الواجب اتباعهم وأنهم وأنهم .. مع أنهم لا يمثلون نسبة تذكر لا كماً ولا فضلاً عند من قال بحرمتها ، أليست هذه هي المرجعيات العلمية الافتراضية والمزيفة ؟ .
من جهة أخرى .. لو تأملنا حال الكثير من الكتاب في تقويل العلماء ما لم يقولوه والترصد لهم وحرصهم على تصيد أخطائهم ونشرها في مقالاتهم عرفنا حقيقة أهدافهم وأولوياتهم ، الهجمات المنظمة ضد العلماء لا تنتهي أبدا .. فهذا موقع العربية يذكر بأن ( المجتمع ) السعودي مستاء من تصريحات العريفي الأخيرة ، لا أدري هل شرذمة منبوذة في أقصى شرقي المملكة يمثلون ( المجتمع ) ، وقضايا الشيخ المنجد واجتزاز فتاواه ( فتوى الجمارك وميكي ماوس ) ولمزه بالألقاب ووصفه بالشيخ السوري والمستثمر الأجنبي ، ولم ننس كذلك الشيخ سعد الشثري وذلك الهجوم المنظم .. والقائمة تطوووول وتطول .
وكم .. قرءنا كثيراً عن ( مطالب شعبية ) أو ( المجتمع يتضجر ) أو ( الشباب يطالب ) أو ( الفتيات يعانين ) .. بالرغم من أنه لا يوجد مطالبات ولا معانات ولا هم يحزنون ! .
حسناً .. ما هو هدف الصحافة من تزييف المجتمع ؟
الصحافة بهذا العمل ترسل رسالتين .. الرسالة الأولى لمن هو على جرف هار .. لا يجد ما يشبث به ويثبت به قيمه ودينه ، تقول الرسالة : "المجتمع كما تشاهد لم يعد مثل ما كان ، هل ترغب بأن تكون غريباً بينهم ؟ ، من الذي يقول بأن المسألة الفلانية حرام ؟ انظر إلى الشيخ العالم الفلاني يقول بجوازها ، ولا يوجد عالم واحد يقول خلاف ذلك ألا أن يكون جاهلا ، ولا يوجد فتيات متحضرات يحققن انجازات كبيرة وهن محجبات ، وأنت ضمن هذا المجتمع ، فلماذا تصر على أن تكون غريباً بينهم ؟ ".
الرسالة الثانية لأصحاب المبادئ والقيم العالية تقول : "دعك من إنكار المنكر ، فما يفعل إنكارك في مجتمع خرب ؟ ، هل تود أن توصم بالتخلف من إنكارك ؟ ، أنت في زمن تبدلت فيه المفاهيم .. لذلك تجنب الإنكار وإلا وصف الإسلام بالتشدد ، دعك من هذا دعك من هذا".
ختاماً .. يجب أن نعلم بأن المجتمع الذي نشاهده في صحافتنا يختلف اختلافاً كاملا عن المجتمع الذي نعيش فيه رغم التحولات الكبيرة التي يعيشها .
المقال رائع و تشخيص دقيق لحال صحافة مختطفة منذ وجدت .
أهلا بالأستاذ أحمد
صحافتنا مختطفة و (مغتصبة) كذلك
ربنا يوفقك أينما كنت
ماشاء الله عليك
كل تدوينة يتحسن اسلوبك بشكل ملحوظ
أهنيك على هذا الطرح الممتاز
وللأسف ان حال صحافتنا كما ذكرت تماما
أهلا بشيخنا خالد
الله يسلمك ويبارك فيه ويحفظك .. أسعد بردودك كثيرا
كما ذكرت لك سابقاً بخصوص الصحافة ..
والأصل فيها هو السخف إذا لم يثبت خلاف ذلك ..
أشبهها بالخفافيش التي إذا رأت نوراً أغمضت إلى سبات .. و إن حلّ الظلام استبشرت ومجّدت وخرجت تدوي بأصواتها .. حتى إذا عاد النور عادوا ليقلبوا رؤوسهم بداخل كهوفهم ..
(بوسة) لحبرك المنسكب بالأعلى
هذا الواقع المر
سيطر على الصحافة السعودية اناس اقل ما يقال عنهم
ذوي توجهات واجندات خارجية وبدعم وتنظيم
وللاسف انهم يستخدمون هذه الصحافة بما يوافق هواهم
والكلام هنا يطول
سلمت اناملك يا عبد العزيز
محمد ..
ماشاء الله والحِكم !! ..
تقصد أنهم صراصير أعزك الله
تحليل رائع ..
ما اتمناه هو تبني الصحيفة لبعض الكتاب الشباب المتميرين..ولو باقتباس مقالاتهم من الانترنت..
أشكرك بعنف اللطف..
أستاذ اياد ..
صدقت بارك الله .. الدعم الخارجي هو سر ( الطبخة )
أبو أحمد
يقولون بأنه تم الفسح لصحيفة إسلامية .. نسأل الله أن يعجل بنورها
أشكرك بلطف العنف